حوارات

الموهبة أساس أول في قول الشعر ونظمه

الأستاذ والكاتب أحمد حجيرة في حوار لـ”التحرير”:

الموهبة أساس أول في قول الشعر ونظمه

“عزف على مرفأ الأشجان” مجموعة شعرية مستمدة من الواقع والمحيط  

في هذا الحوار الذي خصنا به أستاذ اللغة العربية وآدابها الشاعر أحمد حجيرة حول الفعل الثقافي وعملية الكتابة الإبداعية، أين تطرق في كلامه إلى إصداره المتمثل في مجموعته الشعرية الجديدة، وراح يستعرض آراء متفرقة حول الكتابة الإنتاجية ورؤاه حول واقع الشعر الجزائري وجماهريته والسبل الكفيلة لتطويره والنهوض به .

التحرير: كيف جاءت فكرة المجموعة الشعرية عزف على مرفأ الأشجان؟

ثمّة شيئان أساسيان الواقع أو المحيط الذي يعيش فيه الشاعر، والإحساس الذي يبعثه ذلك في نفس الشاعر، فمجموعتي (عزف على مرفأ الأشجان) لا تنأى عن هذين العاملين اللذين يشكلان منطلقا لأي فعلٍ كتابي أو نشاط إبداعي.

التحرير: ما الذي تتطرق إليه المجموعة من مواضيع؟

تدور موضوعات قصائد المجموعة حول عديد القضايا في محيطنا العربي الإسلامي، فهي تنقل أهم الأحداث التي تعيشها الأمة من انتكاسات وانكسارات، وتصور مشاهد لواقعنا الاجتماعي المؤسف، وتعرّج حينا على بعض المواقف السياسية التي تمرّ بها الأمّة، كما تسلط الضوء على تلك القيم النبيلة والمثل الراقية التي كدنا نفقد بريقها في أوساط مجتمعاتنا.

التحرير: أيهما تجده وطنك الحقيقي الشعر العمودي أم الحر؟

يرتبط ذلك عادة بالحالة النفسية التي يكون فيها الشاعر تحت وطأة هاجس ما، وأنا وإن كنتُ أميل إلى الأصيل من الشعر بعموديته وشطريه وأوزانه، إلاّ أنني أكتب في النوعين، فالقصيدة الحرة أحيانا تأتي خفيفة شيقة بفضل الإيقاع الذي يحدده اختيار الوزن، إلاّ أنّني أكتب في النوعين (أعني الشعر بشكليه العمودي والحرّ)، فالقصيدة الحرّة أحيانا تأتي.

التحرير: الشعر الجزائري شهد تراجعا مقارنة بالزخم الهائل بحضور الأجناس الأدبية الأخرى من السرديات كنصوص الرواية والقصص وحتى الشعر الشعبي والتراثي، ما رأيك في هذه الظاهرة؟

لعلّ الشعر من أرقى فنون الأدب، ويعدّ ارتقاء سلّم الشعر من الصعوبة بمكان لمن أراد تسلقه، وإن كنت أرى أنّ ما يقالُ عنه اليوم شعرٌ يملأ فضاءات التواصل، وتعجّ به الصفحات، إلا أن الشعر بمفهومه الأصيل يظلّ نادرا، ربّما بسبب ما يحكمه من قواعد من جهة، وعزوف أبناء العصر عن التقيد بها من ناحية أخرى، ولعلّ هذا ما جعل الكثيرين ينادون بالشعر الحر الذي انتهى به الأمر إلى اعتماد ما يسمى (بقصيدة النثر)، التي هي في حقيقتها أقرب ما تكون للخاطرة منها للقصيدة.

التحرير: هل من سبل لتطوير القريحة الشعرية للنشء ودعم هذا الصنف الأدبي النوعي؟

أعتقد أنّ الموهبة أساسٌ أولٌ في قول الشعر ونظمه، وبعدها يمكن أن تُصقلَ بالمطالعة والتمرّن والممارسة، فعادة ما تكون البدايات طريقا لنضج النهايات، وليس هذا مقصورا على الشعر وحده، لكننا نجده واضحا في أيّ مسارٍ إبداعي أو فنّي.

التحرير: لماذا أضحت الأيام الشعرية محدودة الجماهيرية مقارنة بما مضى؟

لعلّ الأمر مرتبط بعوامل التأثير ووسائل التواصل، وجديد نمط الحياة الذي يغلب عليه طابع العجلة وتسارع الأحداث، وتوفر المعلومات المتدفقة شلالاً لا يكاد يلحقُ به الفرد، فضلا عن طبيعة التكوين الذي نتلقاه في محيطنا، وطغيان الجانب النفعي عن الجوانب الفكرية والسلوكية في مجتمعنا.

أضف إلى ذلك قلّة الاهتمام بالفعل الثقافي عامة والأدبي الشعري خاصة والزهد في جدواه ما لم يكن بمبادرة من أهله ومتذوقيه.

التحرير: نعود إلى المجموعة… لو طلبنا منكم التفضل بنشر قصيدة للقارئ؟

بما أنّنا في أيام الاحتفال بيوم العلم أختار للقارئ الكريم قصيدة (أنا المعلّم):

أنا المعلّم

أفنيتُ عُمري كَمَنْ يَجري ورا السُّحُبِ                          

 أمامَ نَشْءٍ وبينَ الّلـــوحِ والْكُتُبِ

يَقْتاتُني السّهرُ المُضنِي تَجــودُ بهِ

    هَذي اللّيالي وصُبحٌ حِيكَ للنَّصَبِ

أمعنت من نظري سطرا أقلبه

  بالنطق والشرحِ للأبناء عن كثبِ

أسَــامِرُ الحرفَ مَنثُورًا علَى ورَقي

أسْتلهمُ الحكمةَ المُثْلى من الكتبِ

أجْثُو على رُكبَتِي حينًا لأكتبَهُ

   أوْ أعْتلِي مَقعَدًا حينًا منَ الخَشَبِ

أُعلّم النشءَ مِنْ ضَادي فيسحَرُهمْ

  نظمٌ ونثرٌ ومأثـــورٌ من الخُطبِ

وأُنشِدُ البيتَ أنْغـــامًا فيــُدهشُــني

   تجاوبُ الفصْل مَحمومًا منَ الطّربِ

أستاذُ أقــرأُ: أصواتٌ يردّدهــا

   جمعُ التّلاميذِ في شوقٍ وفي صَخَبِ

إذا سألتُ سؤالا رَدَّ  مبتَسِـــمًا

     طفلٌ وضيءٌ  ومِقْوالٌ منَ النُّجُبِ

فأَرسمُ الحرفَ تركِيبًا على نَسقٍ

    كالعِقْــدِ مِنْ دُررٍ أو قلْ مِن الذّهَبِ

وأزرَعُ البسمةَ الزّهْراءَ في شَفَةٍ

  يَزْهُو بها القِسمُ  لا تُبقِي علَى شَغَبِ                                             

حُيّيتَ يا زَمناً ما كانَ أجْمَلَهُ 

    حينًا من الصّفْوِ أوحينا منَ الغَضَبِ

يَجتَاحُني الشّوقُ أحْلامًا تُؤرّقُني

  والقلبُ يَهْفُو إلى صَحْبٍ من النُّخَبِ

نِعْمَ الرّجالُ غداةَ الصّبحِ جَمعُهمُ

   يَسري الحَديثُ بهِ أحْلَى مِنَ الرُّطَبِ

أنا الْمُعلّمُ تاجُ الفخْرِ مِحفظَــتي

   والصّبرُ زادي وعندَ اللهِ مُحتَسَبِي

لا يَعْدِمُ المَرْءُ أفْضالًا  تُخلّـدُهُ 

    ليسَ الخُلودُ وليدَ الأصْلِ والنّسَبِ

أنا المعلّمُ حَولي النّاسُ يَشْغلُهمْ

  كيْـفَ المعلِّمُ يُمسِي عَـاليَ الرُّتَبِ

يَنسَى الجميعُ بأنَّ العِلْمَ  مَنزِلةٌ

    للمَجدِ زَادٌ مِن التّـرحالِ والطّلبِ

والناس تبحث عن عيبٍ تقول به

   لا جَنْيَ تَرجُوهُ في شَوكٍ منَ الْعِنَبِ

والله يختصّ بعض النّاس مرتبة 

     ليسَتْ تُنالُ بغيرِ الجِدِّ والرَّغَبِ

والله يُنـزلُ أهلَ العلمِ مَـنزلةً

     لا يَرتقيهَا عُمومُ الخَلْقِ بالْحَسَبِ

أنا المعلّم لا يُطوَى لهُ  شَرَفٌ

    يُفاخِرُ  الاسمَ  في عليائِه  لقَبِي

أكْرِمْ بِقومٍ همومُ الجِيلِ دَيدَنُهُم

والنشْءُ يَرعَاهُ أهْلُ العِلمِ والْأدَبِ

حاوره : أ . لخضر . بن يوسف

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق