وطني

ينابيع ميلة تشكو الإهمال والتسيّب

بتواجد حقولها سميت ميلة بمملكة القمح والألبان

ينابيع ميلة تشكو الإهمال والتسيّب

عرفت ولاية ميلة حضارات مختلفة منذ أن استقر بها النومديون حينما كانت تابعة لمدينة سيرتا إداريا وسياسيا، وقد اهتم الرومان منذ نشأتها بتخطيط المدينة فجلبوا إليها المياه من المناطق المجاورة، فأنشاوا الآبار والعيون وأقاموا فيها السدود الصغيرة لسقي الحقول التي اشتهرت بها المنطقة، حتى سميت ميلة بمملكة القمح والألبان، لكنها اليوم تشكو الإهمال والتسيب، دون أن تحرك السلطات المحلية ساكنا في إعادة الاعتبار لها واستغلال مياهها العذبة والباردة، فكيف والجزائر تملك ثروة مائية جوفية لا تزال غير مستغلة في الوقت الذي يشتكي ساكنوها وفلاحوها من الجفاف الذي كان سببا في تراجع المردود الفلاحي.

 دون الدخول في تاريخ الولاية في جانبها السياسي والمراحل التي مرت بها المدينة أيام الاحتلال في الفترة ما ببن 402 و416 قبل الميلاد، إلى أن جاء الفتح الإسلامي وفتحها على يد أبو المهاجر دينار، الذي تحالف مع الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان ضد الإمام علي بن أبي طالب مقابل تنصيبه واليا للمغرب وقائدا لجيوشه، ثم حصارها من طرف بنو هلال الزاحفة على إفريقيا، مرورا بالصراع  الذي دار بين الخوارج الإباضية والخوارج الضفرية وأحداث أخرى، لكن من الجانب الطبيعي فولاية ميلة كانت في فترة ما كثيفة الحدائق والبساتين، وكانت تتميز بوجود أشجار مثمرة، خاصة المدينة القديمة المعروفة بينابيعها، فلا يوجد منزل لا يحيط به بستان صغير، لأن سكانها اهتموا بإنشاء البساتين والحقول من أجل صنع غذائهم اليومي بأيديهم، لكن مع التوسع العمران وظهور المدن الجديدة أهمل السكان وحتى المسؤولون المحليون هذه الينابيع.

من خلال الزيارة التي قادتنا إلى المدينة القديمة وقفنا على حقيقة أن مدينة ميلة القديمة ما تزال تحافظ على بنيانها وطرقاتها، لا سيما وهي معروفة بينابيعها كما سبق ذكره، فقد كانت هذه الينابيع قبلة لعابري السبيل للانتفاع بمياهها وحتى للسكان الذين كانوا يستغلون مياهها للشرب وفي غسل الصوف، حتى الحيوانات (الأبقار) كانت تستفيد من مياه أحواضها، ومن هذه الينابيع نذكر على سبيل المثال لا الحصر عين أبي السباع وعين كشكشين وعين البلد العتيقة الواقعة في قلب المدينة القديمة وتحيط بها مبان بالطوب، لكن بعد إدخال شبكة المياه العصرية لم تعد هذه العيون أو الينابيع ذات أهمية لدى السكان، وحتى أحواضها تعرضت للتدمير وتحولت إلى مرتع للفساد وغزتها الأوساخ وأصبحت أكثر تلوثا، رغم أن مياهها باردة وفيها فوائد طبية كما يقول بعض أعيانها، الذين لم يحركوا ساكنا في إعادة الاعتبار لهذه الينابيع واستغلال مياهها، ليس من أجل استغلال مياهها بل من أجل الحفاظ على المحيط البيئي كذلك وتحقيق التنمية المستدامة ودفع عجلة الحكم الراشد.

 ولكون ولاية ميلة لها خصوصية اجتماعية وثقافية باعتبارها كانت تابعة لمدينة قسنطينة قبل التقسيم الإداري، كان على السلطات بولاية ميلة أن تستثمر في هذه  الموارد المائية من خلال إنشاء شبكات تحويل واستغلالها في السقي الزراعي، بدلا من تركها تضيع باعتبارها موردا حياّ يعتمد عليه في كل الجوانب الاقتصادية، كما أن الولاية أصبح لها محركات النمو، إذا قلنا إن الموارد المائية قطاع حساس جدا وأصبح موقع اهتمام الخبراء والقادة السياسيون وحتى الحكام، وأصبحنا نقرأ عن حرب المياه باعتباره قطاعا استراتيجيا تستغله القوى السياسية في التحكم في الشعوب الضعيفة، لأن له أهمية كبيرة في ضمان الأمن الغذائي للشعوب، فكيف والجزائر تملك ثروة مائية جوفية لا تزال غير مستغلة في الوقت الذي يشتكي ساكنوها وفلاحوها من الجفاف الذي كان سببا في تراجع المردود الفلاحي.

حسب التقارير كانت الشعوب والقبائل منذ القدم تتواجد في الأماكن التي بها ينبوع بحكم أنها تمنح المكان روحا وحيوية، وتروي عطش المارين بجانبها (عابري السبيل)، ولذا فالحديث هنا لا يقتصر على ولاية ميلة فحسب، رغم أن ينابيعها تتسم بالجمال كونها مبنية في شكل قلاع، وإنما هي رسالة موجهة للمسؤولين المحليين في الولايات التي تتوفر على ينابيع مائية على غرار ولاية جيجل، سطيف، بسكرة وقسنطينة، ولا شك أنه لا توجد مدينة أو ولاية لا تتوفر على ينابيع، وهذا يستوجب تدخل الجهات المخولة لتدارك الوضع من خلال تثمين قطاع الموارد المائية ومعالجة المشاكل معاجلة عقلانية، ووضع رسم تخطيطي للمياه من أجل ترقية القطاع، وتحقيق التنمية المستدامة ودفع عجلة الحكم الراشد.

علجية عيش

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق